التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سر مصري عمره 7 آلاف عام !!

د. محمد عبيد غباش

مات العشرات من المصريين قبل أيام في حادث غرق سفينة في النيل. وكثرة مثل هذه الحوادث في مصر وعدم محاسبة الجناة تستحضر قولاً لأبي الطيب المتنبي حين هجا كافور الإخشيدي يختزل الحالة: نامت نواطير مصر عن ثعالبها..!

لكن السياق الذي قال فيه الشاعر قصيدته يقلب نظام المحاسبة رأساً على عقب, إذ كان يرى أهل مصر كحراس غافلين عن واجب الحراسة ضد حاكم ثعلب مثل كافور. أهي ديمقراطية سابقة لزمنها بألف عام؟

إذا نحن يمّمنا وجهتنا شمالاً نحو أمريكا وأوروبا سنلاحظ أن أي تغير على الاقتصاد مهما كان طفيفاً يثير الكثير من القلق. فإذا ارتفعت الفائدة واحد بالمائة على سبيل المثال بادر المحللون الاقتصاديون إلى قرع أجراس الإنذار عالياً خوفاً من خطر الكساد ويلحقهم كتاب السياسة منذرين بخطر الأزمة الاجتماعية المرتقبة على فرص الحزب الحاكم في الانتخابات التالية..!

في لبنان وبرغم الربيع الديمقراطي، هناك شتاء اجتماعي كئيب يعصف بأغلب الناس, فهم يجأرون بالشكوى من التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد ومن جوع تعاني منه الطبقات الاجتماعية الفقيرة، ومن ضيق عيش عند الطبقات الوسطى يدفع أبناءها وبناتها للهجرة. مع ذلك فهناك فرص عمل كثيرة في لبنان, لكن تدني أجورها يجعل اللبنانيين يتركونها لضيوفهم من سري لانكا وسوريا ومصر. من مصر نفسها التي تشكك في صدقية هستيريا الأمريكيين والأوروبيين تجاه التقلبات الطفيفة في اقتصادهم… وهي تعطي الدروس للبنانيين وكل العرب في كيفية التعامل مع سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية..!

المصريون في غالبيتهم الساحقة -فلاحون وأهل مدن- يعيشون بؤساً خالصاً الآن ومنذ أزمنة بعيدة، ربما منذ آلاف السنين. أجدادهم وآباؤهم وصولاً إلى الجيل الراهن كانوا يموتون بالآلاف في بناء مقابر ملوكهم، في حروب عبثية، في أوبئة لا حصر لها، في سجون طغاتهم، في قطارات تحترق وسفن تغرق ومبان تنهار على أهلها لأن مواد بنائها مغشوشة. المصريون يموتون بسهولة ويعانون باستمرار حتى أمست المعاناة شيئاً عادياً. برغم ذلك كله هم يستقبلون كل يوم بفخر واعتزاز غير معقولين: “نحنا اللي خرمنا التعريفة ودهنّا الهواء دوكو”..!

قال عنهم عمرو بن العاص: إن نساءهم لعب، وبلادهم لمن غلب، يجمعهم الطبل وتفرقهم العصا. فسّر الغزاة والفاتحون النفسية المصرية بأنها خاضعة مطواعة, ولم يفهموا أن وراء رقة الطبع الظاهرة هناك صلابة جعلتهم يستمرون بالوجود لأكثر من 5 آلاف عام فيما غزاتهم شدوا الرحال أو ذابوا في مصر. وحين وقّعوا معاهدة الصلح مع إسرائيل اتهم كثير من العرب المصريين بأنهم متخاذلون, وأنهم خانوا عروبتهم وإسلامهم. لكنهم -وبرغم غضبهم للاتّهام- كانوا لا يملون من تذكير مجادليهم بصبر: لقد استرجعنا سيناء. لقد حفظنا حياة أبنائنا من الموت. لقد جنبنا أنفسنا المزيد من الإنفاق على التسابق الحربي مع إسرائيل. لقد ضمنّا معونات ضخمة من أمريكا… لقد… لقد…!

برغم بؤس مصر الهائل الذي تكشفه الإحصاءات والتقارير المختلفة إلا أنها بلد تمتلك ثروات حقيقية. فالزراعة في رأي أكثر المختصين كفيلة بمفردها بإخراج مصر من أزماتها، فهي تتمتع بالقدرة على تنويع المحاصيل وعلى استزراع وحصد أراضيها مراراً في العام الواحد, وهي ميزة نادرة في العالم بالنظر إلى الطقس المعتدل والخصوبة الكبيرة لتربتها, وفوق ذلك كله بسبب نهرها الذي لا يمل المصريون من وصفه بأنه خالد. والسياحة قد تكون هي النشاط الذي يمكن أن يطلق عملية التحليق الاقتصادي الذي طال انتظار المصريين له بسبب سياسات الحكومات المصرية المتعاقبة, وحديثاً بسبب عمليات العنف ضد السائحين الأجانب. لو تيسّر لمصر إدارة كفؤة لقطاعي الزراعة والسياحة لما عري أو جاع ابن من أبنائها ولا اضطر للهجرة طلباً للعمل..!

لكن الثروة الأعظم في مصر تتمثل في أهلها وليس في أرضها أو معالمها السياحية. إذا دققنا سوف لن نلقى يداً عاملة متميزة بشكل أكبر من دول مشابهة من دول العالم, فلا التعليم المصري نجح في تمكين الأجيال الجديدة من نيل المعارف والمهارات الحديثة, بل على العكس من ذلك, فمخصصات التعليم عاجزة عن تلبية الحدود الدنيا، والرعاية الصحية المختلة لا تجعل شعب مصر صحيح الجسم حقاً، فهناك سوء تغذية وهناك استيطان لأمراض خطيرة مثل التهاب الكبد...!

رأس مال المصري الحقيقي ليس تعليمه ولا مستواه الصحي, هو شيء مختبئ في تلافيف دماغه: رؤية خاصة للحياة، فلسفة معينة يتميّز بها المصري عن غيره تجعله بقدرة قادر يتعايش مع أسوأ الظروف وأصعبها. لو وضع الأمريكيون والأوروبيون في ظروف حياة المصريين لما احتملوا العيش, ولهاجروا فوراً, ولو تعذّر ذلك لانتحر كثير منهم..!

ثروة المصريين هي ثقاف خاصة تحتوي على الكثير من الصبر والتقشف، أو هي بالأحرى تجعل التقشف فضيلة, لأن الترف مستحيل، وهي ثقافة خلاقة تمكن ربة البيت من تحويل موارد زهيدة لطعام يقيم أود الأسرة على امتداد الشهر كله ويوفر الملابس الكافية لها أيضًا…!

ثقافة التقشّف المصرية هي شيء مناقض للاستهلاك الشره الذي يفتك بالعديد من مجتمعاتنا العربية, والذي يدفع الناس لإبدال هواتفهم النقالة كل بضعة أشهر ولاقتناء المزيد من الملابس بينما ملابس جديدة غيرها لم يتم ارتدائها بعد..!


الذي حفظ مصر في وجه الغزاة لم يكن جيشها, والذي جعلها تقاوم طغيان حكامها لم يكونوا ثوارها أو مصلحوها؛ ما جعلها تصمد هو صبرها الأزلي على الأذى وعلى الفقر وتكيّفها مع أقسى الظروف, وهي نجحت في ذلك كله لأن أبناءها لم يسمحوا لأنفسهم أن يغوصوا في كآبة مدمرة. المصريون كانوا متفائلين باستمرار حتى وهم تحت الاحتلال أو الهزائم أو الطاعون أو الطغيان… والذي جعل مصر مستمرة برغم كل شيء هو قدرتها على أن تسخر من حكامها وجلاديها وأن تملك الشجاعة أن تضحك, وهي تجوع, على نفسها أيضًا..!

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة الرجل الذي فرَّج الله عنه ببركة الصلاة على النبي ﷺ ...!

روي عن رجل انه وقع في كرب شديد وثقُل عليه الدَّين حتى بلغ دينه خمسمائة دينار وعجز عن أدائها..، وكثر المطالبون بديونهم؛ فذهب إلى تاجر واستدان منه هذا المبلغ واشترط عليه سدادها في موعد محدد اتفقا عليه وذهب وأرجع الديون لأصحابها..  ومرت الأيام والليالي والحال يزداد سوءًا فوق سوء؛ حتى بلغ الأجل محلَّه، وجاء موعد سداد الدَّين والرجل لا يملك درهمًا ولا دينارًا بل ازداد دَّينه فوق ذلك الدَّين.. وجاء التاجر صاحب المال يطلب ماله؛ فلم يجد عنده ما يسدد به دَّينه؛ فذهب وشكاه للقاضي، فحكم القاضي على الرجل بالسجن حتى يسدد الدين..!  فقال الرجل للقاضي:  سيدي، أمهلني إلى يوم الغد حتى أخبر زوجتي وأؤمِّن عيالي حتى لا ينشغلوا عليَّ..!  فقال القاضي للرجل: وما الضمان أنك سترجع غدًا؟  قال الرجل: ضماني، هو رسول الله ﷺ فإن لم أرجع؛ فاشهد عليَّ في الدنيا والآخرة أني لستُ من أمَّة محمد ﷺ..! وكان القاضي صالحًا؛ فقدَّر هذا الضمان وقَبِلَ وترك الرجل يذهب إلى أهله...! فلما رجع الرجل إلى بيته وأخبر زوجته بالخبر ما كان من هذه الزوجة الصالحة إلا أن قالت لزوجها بما أن رس...

كم من المال ستربح من 5 دولار في ساعتين ؟

 11 نوفمبر 2014   ماذا كنت لتفعل لو أعطوك 5 دولار وساعتين من نهار لتستثمرها؟ هذا كان عنوان الفرض / الواجب الدراسي الذي أعطته الأستاذة الجامعية ’ تينا سيلج ‘ Tina Seelig لطلابها في جامعة ستانفورد الأمريكية، ضمن منهج تعليم العصامية. انقسم الطلاب إلى 14 فريقا لحل هذا السؤال، وحصل كل فريق على مظروف فيه المال، وكان الشرط: لكل فريق مطلق الحرية في التخطيط والتفكير، لكن فور أن يفتح كل فريق مظروفه، يبدأ حساب الوقت (الساعتين). هذا الفرض المدرسي جاء في يوم الأربعاء، وكان مساء يوم الأحد موعد إرسال كل فريق نتائج ما فعله إلى تينا، ثم في صباح يوم الاثنين يقف كل فريق ليحكي ماذا فعل وماذا حدث معه خلال 3 دقائق. ماذا كنت أنت لتفعل لو كنت مكان هؤلاء الطلاب؟ هل كنت ستقامر بالمال؟ تشتري يانصيب؟ إلخ.. هذه النوعية من الأفكار تدل على عقلية تخشى المخاطرة وبالتالي لن تحقق مكاسب كبيرة. التفكير العقلاني سيقول خذ المال واشتر ليمون واصنع عصير ليمون ثم قم ببيعه. هذه فكرة ممتازة لمن يريد ربح دولارات معدودة. إلا أن هؤلاء الفرق الأربعة عشرة كانت لديهم أفكار أفضل بكثير، أفكار ستبهرك...

10 قنوات يوتيوب يجب عليك متابعتها في العلم والتاريخ والثقافة

10 قنوات يوتيوب يجب عليك متابعتها في العلم والتاريخ والثقافة أحمد الخطيب         14 سبتمبر,2014 تحتل فيديوهات الموسيقى والترفيه المركز الأول على قائمة استخدام يوتيوب – خاصةً في المنطقة العربية – منذ إنشائه تقريبًا. لكن المنصة الأكبر في العالم لنشر مقاطع الفيديو تحتوي على الكثير من القنوات المتخصصة في مجالات أخرى مثل العلوم والتاريخ والثقافة. نقدم لك قائمة ببعض قنوات يوتيوب التي ستحقق لك متابعتها معرفة ومتعة بلا حدود. ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي تأسست قناة ناشيونال جيوغرافيك الأمريكية في عام 1997 لتقدم محتوىً علميًا، وتاريخيًا، وفنيًا مميزًا. لكن النسخة العربية من القناة بدأت في عام 2009 لتقدم للجمهور العربي أفلامًا وثائقية وبرامج في مجالات عديدة: الفلك، والفيزياء، والرياضة، والموسيقى، والطبيعة، والكثير من الموضوعات الأخرى. متابعة القناة على يوتيوب ستضمن لك متعةً ومعرفةً ربما لن تحصل عليها في مكان آخر. رابط القناة من  هنا Video Player 00:00 Use Le...