التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ضناعة الوهم .. تفكيك أطروحة "الخطر الإخواني"

صناعة الوهم .. تفكيك أطروحة "الخطر الإخواني"

خليل العناني
24 مارس 2015
خليل العناني

خليل العناني

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة جونز هوبكنز الأميركية. عمل كبير باحثين في معهد الشرق الأوسط، وباحثاً في جامعة دورهام البريطانية، وباحثاً زائراً في معهد بروكينجز.من كتبه "الإخوان المسلمون في مصر ..شيخوخة تصارع الزمن".
لم يكن أمام الأصوليات السلطوية في العالم العربي سوى البحث عن "عدو"، من أجل تبرير ثورتها المضادة، وانقلابها على "الربيع العربي". ولمّا كان الهدف الرئيس لهذه الأصوليات هو وقف موجة التغيير والتحول الديمقراطي في المنطقة بأي ثمن، كان لا بد من "صناعة" هذا العدو، وتضخيمه حتى يتم تبرير سياسة القمع والبطش التي تمارسها تجاه الثورات، وكل من يمثلها، خصوصاً الشباب. وكي يتم تمرير هذا السيناريو غربياً، كان من الضروري أن يتم البحث عن أضعف حلقة في الثورات العربية، وهي حلقة "الإسلاميين" الذين جرى استدعاؤهم فزاعة من أجل التخويف، كما جرت العادة خلال العقود الثلاثة الماضية. ولعل ذلك ما يفسر حالة الصمت والتواطؤ الغربي تجاه عملية إجهاض "الربيع العربي" التي تُجرى على قدم وساق.
طوال العامين الماضيين، كان الهدف الأساسي للسلطويات العربية تصنيع "الخطر الإخواني" وتضخيمه، باعتباره خطراً داهماً يجب إيقافه، والتخلص منه. وقد اشتركت في عملية تصنيع هذا الخطر أذرع محلية وإقليمية ودولية، تم تمويلها بملايين الدولارات. وكانت الحجة المعلنة لهذه الأذرع أن جماعة الإخوان المسلمين تسعى إلى تصدير الثورة خارج حدود مصر، وأنها تسعى إلى السيطرة والهيمنة على المنطقة العربية. وقامت جوقة من الكتاب والباحثين العرب والغربيين بتسويق هذا السيناريو المصطنع. وقد مرت عملية تصنيع "الخطر" الإخواني بعدة مراحل، بدأت أولاها بتهيئة وتعبئة الرأي العام العربي والإقليمي بهذا الخطر. وبدأت عجلة "الثورة الإقليمية المضادة" في الدوران. فرأينا فضائيات وإعلاميين وصحافيين وباحثين وسياسيين ورجال دين يهاجمون الثورات العربية، ويرون أنها جاءت بالبلاء على البلاد والعباد. وقد استفاد هؤلاء من رعونة "الإخوان" وأخطائهم في السلطة، وانعدام خبرتهم، من أجل تبرير مقولاتهم وتمريرها، وهو ما مهد الأرض لانقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013.
وبعد إسقاط "الإخوان"، تم الانتقال إلى المرحلة الثانية، وهي محاولة تصدير "الخطر الإخواني" إلى الخارج، واعتبارهم "رأس الشيطان" و"مصدر الشرور" في المنطقة والعالم. وانطلقت الماكينة الإعلامية للثورة المضادة، من أجل شيطنة "الإخوان" وتشويههم، واعتبارهم جزءاً من "مؤامرة كونية" كبرى، تستهدف مصر والمنطقة. وكان من الطريف، وغير المنطقي أيضا، أن يتم وضع دول وأطراف متصارعة في المربع نفسه، مثل إيران وإسرائيل وأميركا وحماس ضمن هذه "المؤامرة الكونية". كما قام رعاة "الثورة الإقليمية المضادة" بالضغط على مراكز صنع القرار في الغرب، تارة بالمال وتارة أخرى بالدبلوماسية، من أجل اعتماد "الإخوان" حركة إرهابية. وتم إجبار عواصم غربية من أجل مراجعة أنشطة "الإخوان" وفتح ملفاتها الداخلية، والبحث عن أية ثغرة قد تدعم هذه السردية.
ولمّا لم يبتلع العالم الغربي هذا "الطُعم"، تم الانتقال إلى المرحلة الثالثة، وهي محاولة ربط "الخطر الإخواني" بالخطر الداعشي، واعتبار أن ثمة تحالفاً بين الطرفين. وهو ما يبدو، بوضوح، في تصريحات الجنرال عبد الفتاح السيسي، ومحاولته وضع "الإخوان" مع التنظيمات الإرهابية في سلة واحدة. وقد قال ذلك نصاً في حواره مع جريدة "واشنطن بوست" الأميركية، قبل أسبوعين، حين ذكر أن "الإخوان" هي "أم التنظيمات الإرهابية" في العالم. وهو ما أكده أيضا المتحدث الرسمي باسم وزارة الداخلية المصرية التي ادعى فيها أن جماعة الإخوان تقوم بتوحيد الجماعات الجهادية تحت رايتها.
لم يعد، الآن، أمام حلف "الثورة المضادة" أوراق كثيرة، من أجل دعم أطروحة "الخطر الإخواني"، خصوصاً بعد أن صحا العالم على الخطرين "الداعشي" و"الإيراني"، وذلك كما أوضحنا في مقال سابق. وقد اكتشف كثيرون أن من شأن استمرار تصدير هذه الأطروحة تجاهل الأخطار الحقيقية التي تعصف بالمنطقة. في حين تدرك الحكومات الغربية أن المعركة الحقيقية ليست مع "الإخوان"، وإنما، أساساً، مع التنظيمات الراديكالية المتشددة التي ترفض "الإخوان"، وتكفرّهم بسبب مشاركتهم في العملية السياسية، وهو ما يبدو أكثر وضوحاً في الحالة التونسية، وهو ما أكدته العملية الإرهابية في المتحف الوطني، أخيراً.
قطعاً لدى جماعة الإخوان المسلمين مشكلات سياسية وفكرية وإيديولوجية عديدة، لا يمكن إنكارها، لكنها لا تختلف في ذلك عن بقية القوى والأحزاب السياسية العربية التي ثبت فشلها وكسادها طوال الفترة الماضية. وصحيح أن "الإخوان" ارتكبوا أخطاء عديدة، في أثناء وجودهم في السلطة، خصوصاً عندما اعتقدوا، بسذاجة منقطعة النظير، أن في وسعهم الانتصار على قوى الثورة المضادة، من خلال التعبئة والحشد في الشارع فحسب. وأخطأت الجماعة، حين ظنت أن بمقدورها احتواء النظام القديم، وضمان ولاء مؤسساته وشخوصه، على حساب الثورة وأهدافها، وأخطأ قادتها، حينما تعاطوا برعونة واستخفاف مع القوى الثورية. بيد أن هذه الأخطاء لا تقارن بحجم الأخطاء والجرائم التي ارتكبها معارضوهم، سواء أولئك الذين تواطأوا في عملية إقصائهم وقمعهم، أو الذين صمتوا على قتل أنصارهم ومطاردتهم.
وحقيقة الأمر، لا يأتي الخطر الأصلي الذي يواجه المنطقة العربية من "الإخوان"، أو الإسلاميين بوجه عام، وإنما من تلك الأنظمة الرجعية التي لا تريد للمنطقة العربية أن تنعتق من سلطانها واستبدادها. وهي أنظمة على استعداد أن تضحي بالجميع من أجل البقاء في السلطة.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قصة الرجل الذي فرَّج الله عنه ببركة الصلاة على النبي ﷺ ...!

روي عن رجل انه وقع في كرب شديد وثقُل عليه الدَّين حتى بلغ دينه خمسمائة دينار وعجز عن أدائها..، وكثر المطالبون بديونهم؛ فذهب إلى تاجر واستدان منه هذا المبلغ واشترط عليه سدادها في موعد محدد اتفقا عليه وذهب وأرجع الديون لأصحابها..  ومرت الأيام والليالي والحال يزداد سوءًا فوق سوء؛ حتى بلغ الأجل محلَّه، وجاء موعد سداد الدَّين والرجل لا يملك درهمًا ولا دينارًا بل ازداد دَّينه فوق ذلك الدَّين.. وجاء التاجر صاحب المال يطلب ماله؛ فلم يجد عنده ما يسدد به دَّينه؛ فذهب وشكاه للقاضي، فحكم القاضي على الرجل بالسجن حتى يسدد الدين..!  فقال الرجل للقاضي:  سيدي، أمهلني إلى يوم الغد حتى أخبر زوجتي وأؤمِّن عيالي حتى لا ينشغلوا عليَّ..!  فقال القاضي للرجل: وما الضمان أنك سترجع غدًا؟  قال الرجل: ضماني، هو رسول الله ﷺ فإن لم أرجع؛ فاشهد عليَّ في الدنيا والآخرة أني لستُ من أمَّة محمد ﷺ..! وكان القاضي صالحًا؛ فقدَّر هذا الضمان وقَبِلَ وترك الرجل يذهب إلى أهله...! فلما رجع الرجل إلى بيته وأخبر زوجته بالخبر ما كان من هذه الزوجة الصالحة إلا أن قالت لزوجها بما أن رس...

كم من المال ستربح من 5 دولار في ساعتين ؟

 11 نوفمبر 2014   ماذا كنت لتفعل لو أعطوك 5 دولار وساعتين من نهار لتستثمرها؟ هذا كان عنوان الفرض / الواجب الدراسي الذي أعطته الأستاذة الجامعية ’ تينا سيلج ‘ Tina Seelig لطلابها في جامعة ستانفورد الأمريكية، ضمن منهج تعليم العصامية. انقسم الطلاب إلى 14 فريقا لحل هذا السؤال، وحصل كل فريق على مظروف فيه المال، وكان الشرط: لكل فريق مطلق الحرية في التخطيط والتفكير، لكن فور أن يفتح كل فريق مظروفه، يبدأ حساب الوقت (الساعتين). هذا الفرض المدرسي جاء في يوم الأربعاء، وكان مساء يوم الأحد موعد إرسال كل فريق نتائج ما فعله إلى تينا، ثم في صباح يوم الاثنين يقف كل فريق ليحكي ماذا فعل وماذا حدث معه خلال 3 دقائق. ماذا كنت أنت لتفعل لو كنت مكان هؤلاء الطلاب؟ هل كنت ستقامر بالمال؟ تشتري يانصيب؟ إلخ.. هذه النوعية من الأفكار تدل على عقلية تخشى المخاطرة وبالتالي لن تحقق مكاسب كبيرة. التفكير العقلاني سيقول خذ المال واشتر ليمون واصنع عصير ليمون ثم قم ببيعه. هذه فكرة ممتازة لمن يريد ربح دولارات معدودة. إلا أن هؤلاء الفرق الأربعة عشرة كانت لديهم أفكار أفضل بكثير، أفكار ستبهرك...

10 قنوات يوتيوب يجب عليك متابعتها في العلم والتاريخ والثقافة

10 قنوات يوتيوب يجب عليك متابعتها في العلم والتاريخ والثقافة أحمد الخطيب         14 سبتمبر,2014 تحتل فيديوهات الموسيقى والترفيه المركز الأول على قائمة استخدام يوتيوب – خاصةً في المنطقة العربية – منذ إنشائه تقريبًا. لكن المنصة الأكبر في العالم لنشر مقاطع الفيديو تحتوي على الكثير من القنوات المتخصصة في مجالات أخرى مثل العلوم والتاريخ والثقافة. نقدم لك قائمة ببعض قنوات يوتيوب التي ستحقق لك متابعتها معرفة ومتعة بلا حدود. ناشيونال جيوغرافيك أبو ظبي تأسست قناة ناشيونال جيوغرافيك الأمريكية في عام 1997 لتقدم محتوىً علميًا، وتاريخيًا، وفنيًا مميزًا. لكن النسخة العربية من القناة بدأت في عام 2009 لتقدم للجمهور العربي أفلامًا وثائقية وبرامج في مجالات عديدة: الفلك، والفيزياء، والرياضة، والموسيقى، والطبيعة، والكثير من الموضوعات الأخرى. متابعة القناة على يوتيوب ستضمن لك متعةً ومعرفةً ربما لن تحصل عليها في مكان آخر. رابط القناة من  هنا Video Player 00:00 Use Le...